أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
67
شرح مقامات الحريري
فكم جزع واد جبّ ذروة غارب * وبالأمس كانت أتمكته مذائبه قوله : « أنخت » بركت . مغناها : موضع سكناها . نويت : قصدت . جراني صدري ، والجران : باطن عنق البعير ، يقول : لما أخذ نصيبا في مرعاها ، أضمر أن يقيم بها ريثما يأتي أرضه المطر . الجماد : التي لا مطر فيها . تتعهد : تتفقّد وتزور . العهاد . كثرة المطر . وتمضمضت العين بالنوم ، إذا خالطها ودبّ فيها ، وتمخّضت المرأة : أضرّ بها وجع الولادة ، وتقول : تمخّضت المرأة عن زوجها إذا حملت بالولد عنه ، وتمخضت بولدها إذا تحرّكت به ودنت ولادتها ، وإذا استعير هذا المعنى لليلة صار تمخّضها عن اليوم السابق لها ، كأن اليوم ألقي في الليلة ما كان فيه من الحيوان فتحرّكت به ؛ فيريد أنه لم ينقص يومي الذي وردت فيه نصيبين حتى وجدت فيه أبا زيد قبل أن أدخل في ليلتي ، ولأجل هذا قال قبل هذا : تمخّضت مقلتي بنومها ، أراد أنه لقيه قبل الليلة التي ينام فيها ، ولو قال : تمخضت بيومها للزم أن يكون اليوم الذي يأتي بعدها ، كأنّها كانت تحمله فتلده إذا طلع صبحه من حيث إنه متصل بها ، ولو جعلت « عن » بمعنى الباء لانقلب إلى هذا المعنى ، وإنما دل الكلام على صحة المعنى الأوّل ، وأصله المخض بالتّحريك ، ومنه : مخضت اللبن مخضا ، حرّكته لإخراج زبده ، ومخضت المرأة وتمخّضت : تحرّك ولدها ليخرج ، ثم يستعار ذلك للأيام وغيرها ، فأما استعارة حمل الولد فكقول عمرو بن حسان في النعمان : [ الوافر ] أجدّك هل رأيت أبا قبيس * أطال بقاءه النّعم الرّكام « 1 » تمخّضت المنون له بيوم * أتى ، ولكلّ حاملة تمام النّعم الركام : الإبل الكثيرة ، وصفّر قابوس ، تصغير الترخيم ، وجعل المنيّة حاملا باليوم الذي هلك فيه وجعل اليوم ولدها على جهة الاستعارة ، وقال حبيب في معناه : [ البسيط ] حتى إذا مخّض اللّه السّنين لها * مخض الحليبة كانت زبدة الحقب « 2 » فهذه استعارة من مخض اللبن ، أراد أن السنين تحرّكت لهذه البلدة ، أي كانت تمرّ عليها فلا تنالها بمكروه حتى وجدها المسلمون كالزّبدة في حسنها ولذّتها فأكلوها باستباحة من فيها .
--> ( 1 ) البيت الأول لعمرو بن حسان في لسان العرب ( كثر ) ، ( مخض ) ، ( طوق ) ، والبيت الثاني لعمرو بن حسان في حاشية يس 2 / 286 ، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص 3 ، 342 ، والإنصاف 2 / 760 ، وجمهرة اللغة ص 608 ، وشرح عمدة الحافظ ص 736 . ( 2 ) البيت في ديوان أبي تمام ص 8 .